|
|
comments (0)
|
نفحة من تراث عين حلاقيم
ننكيء عين حلاقيم على جبل النا صوب وهو تسلسل من المرتفعات المتصلة بجبل الزيتون على الجانب الغربي من وادي الملزق الممتد من مصياف الى المستورة المغلق الى الغرب بالجبال والمنفتح على السهول من الشرق ولكنه يصبح م-ن دير تارين مغلقا حتى المستورة محصورا بين جبلين ويسمى وادي عين حلاقيم.(1)
في عين حلاقيم اثار تعود الى عصور الصيد وكانت المنطقة مأ هولة بجماعات تعتمد على الصيد وجني الثمار. ونحن نجهل تاريخ وحياة هولاء السكان القدامى انما نستخلصها من البقايا الا ثرية
وليس لدينا تاريخ مدون عن البلدة في العهد الحديث الا ما هو منقول بطريق الرواية وهذا يبدأ منذ اواخر القرن السابع عشر.
تاريخنا مهدد بالضياع في معظمه مع امتداد الزمن وموت من لديهم معلومات دون تسجيلها وقلة اهتمام الناس.
اردت تدوين ما تبقّى من تراث وحقائق خدمة للتاريخ وللأجيال القادمة حبا ببلدتي واخلاصا لمن عشت واياهم و لا اتمنّى لهم اّلا الخير والتوفيق.
منذ صغر ي كنت مغرما بالحكايات ترويها امي (ام جورج) المشهورة بالرواية . وكنت فضوليا احاول فهم كل شيء والبحث عن الحقيقة فاستمعت الى حكايات عن الاحداث التي جرت بين اجدادنا وبين ابناء القرى المجاورة واكتشفت ان الناس في بلدتنا لا يعرفون الا القليل عن انسابهم واجدادهم وما يعرفونه فيه الكثير من الخطأ
كانت منطقة عين حلاقيم مأهولة بالتركمان يمارسون الرعي وهم قبائل دخلت سورية مع الفتح التركي واستوطنت بعض مناطقها ولا يزالون يقيمون محافظين على لغتهم وبعض تقاليدهم ويمتد تواجدهم في خط
دفاع مقابل الجبال الساحلية ممتد من الكواشرة في عكار بقرى تركمانية امثال عقرب قرطمان وخربة التركمان حتى مصب العاصي قرب انطاكيه. وكانوا نوعا من الانكشارية وبعد القضاء على الانكشارية نحولوا الى سكان عاديين. ولا تزال عين حلاقيم تحتفظ ببعض اسماء تركمانية مثل : قبران حج خضر كور بقجه وغيرها وكانوا يتناحرون فيما بينهم والعداوة شديدة بين ّاغا منطقة المشتى وّاغا بعرين ونيصاف. وحوالي
1750 نشبت معركة فاصلة كانت الخسارة فيها فادحة فيما بينهم فقتل الكثير منهم وتشرزموا وتحولوا إلى جزر صغيرة مثل حوير وحرمل وبيت ناطر وكانوا في تلك الحقبة اسياد المنطقة بين صافيتا وحماه.
كانت بيوت عين حلاقيم من الحجر الغشيم(الدبش غير المشغول) دون اسمنت ولا كلس وسقوفها من أشجار الحور والبّلان والتراب على أعمدة خشبية تسّمى السواميك وتكل بيت باب واحد من خشب وشباك واحد
وأمام كل بيت دار فسيحة مسّورة بحيطان تعلوها أكداس الحطب وكان كل بيت يتصل بالبيت المجاور عن طريق كّوة (طاقة) في الجدار المشترك الفاصل بينهما من أجل اتصال سريع بين الساكنين لنقل أللأخبار
وألأنذار من وجود لص أو معتد
وكان كل بيت يقسم الى قسمين بواسطة السواميك ويرتفع الأول عن الثاني بضع سنتيمترات وهو لآقامة السكان
وفي وسطه الموقدة وهي حفرة ترابية مستديرة اسفلها بلاطة بقطر ستون سم وعمق عشرون سم يوقدون فيها النار ويطبخون عليها ويتدفأون في الشتاء متحلقين حولها في السهرات لسماع الحكايات وشوي الّدوام والكستناء والبطاطا. اما القسم الثاني وهو أخفض من الآول فهو مخصص للحيوانات من بقر وحمير أو خيل و للمتبن لعلف الحيوانات ومرّفة للدجاج وصيرة للماعز.وكانت خلايا المؤونة مركونة الى الجدار الخلفي ومصنوعة من الطين(نراب الخلآيا) تحفظ كل أنواع الحبوب من قمح وشعير وذرة وغيره وطاقات في الجدران لوضع الحاجات وبيض الدجاج ومكان عند الباب للجرة ويوك للفرش ويتساكن الناس والحيوانات في بيت واحد
وأمام كل بيت في جانب من الدار مصطبة أو خمونة وهي بناء صغير تقام عليه خيم من أغصان الاشجار لقضاء فصل الصيف وكانت تحيط بهذه الآكواخ أحواض الحبق والنمنام
كانت الرعية أسرة واحدة في المحبة والانسانية وكانت اخلاق البشر بسيطة وفيها طيبة والمحبة هي المسيطرة والتعاون أهّم شيء في حياتهم ولا غّش فيهم ولا كذب يشتركون في الفرح والحزن .والكبير فيهم له كلمته فهو القاضي مع الكاهن يفصل بين المتخاصمين وحول الكاهن .وكان وجهاء القوم وكبار العائلات يفصلون في الامور دون حاجة الى محاكم. وكانت الآم اّما ومعلمة وخلال القداس الالهي توصد كافة الابواب ويسرع الجميع لحضور القداس . وفي الظهر كان الجرس يقرع عند منتصف النهار ليعلن وقت التبشير ومن في الحقل يتوقف عن العمل ليصلي صلاة التبشير والمسافر يقف ويرسم اشارة الصليب وكان الناس يتلون صلاة قبل الطعام وبعده وكانت الكنيسة تّغص بالمّصلين لصلاة المساء حسب كّل شهر وسنة ويتلو الكاهن قصص القّديسين من السنكسار. وكان الناس يتقارضون المال بدون فائدة و لا سند و لا رهن ولم يحدث اّن أحدا لم يف بوعده.
وكانت العونة أّهم مظاهر الحياة .فالجميع يشاركون في بناء بيت لآسرة جديدة يعلن الكاهن في الكنيسة عن ذلك ويّحث الجميع على التعاون وكان هو يتقدم الشباب للعمل وكانت النساء تشّجع بالتصفيق والاغاني ونقل الماء والرمل وصاحب البيت يذبح الذبائح ويطبخ للمساهمين وكذلك يتعاونون على سلق القمح وجرش البرغل وكان غذاء اساسيا بدل الرز كما يتعاونون في الحصاد وكان الحليب يعطيه من عنده لمن ليس عنده فيتساوى الاغنياء والفقراء كما يتشاركون في الطعام فيتبادلونه فيما بينهم .
اما التعليم فهو ميزة اختص بها الموارنة أ كثر من سواهم وعندما حارب العهد العثماني اللغة العربية ومنع تعليمها فعّم الجهل وكان للموارنة حقوق خاصة في ممارسة طقوسهم وعاداتهم ولغتهم السريانية الطقسية وكانوا أحرارا د اخل كنائسهم وقد نّصت قوانينهم على الزامية التعليم للذكور والاناث يقوم به كاهن الرعية في مكان خاص أو باحة الكنيسة وحتّى تحت السنديانة الحاضرة قرب كل كنيسة فأشنهرت مدرسة السنديانة وكان يعّلم خاّصة القراءة والكتابة على ألواح من فّخار مصقول ومدهون بلون أسود وأحيانا على الورق وكانت الاقلام ريشة طائر أو ريش’ قنفذة والحبر من ثمار البلّوط ومن تعّلم القراء’ والكتابة’ وعمليات الحساب الاربعة كان يعتبر مثقفا يقيمون له حفلة تخّرج بأن يقيم أهله وليمة يحضرها الكاهن.
و معروف و مشهور اّن علماء الموارنة اخترعوا لغة خاّصة عرفت بالكرشونية لتعليم العربية دون أن يستطيع الاتراك منعهم وتعتمد على كتابة العربية باحرف سريانية وهذا لا يطاله المنع التركي . وكانت اول مطبعةلها في دير قزحيا في لبنان في القرن الخامس عشر
(1)سلسلة الجبال الساحلية -ابراهيم عميرة –دمشق 1955
(2) لمزيد من المعلومات عن التراث راجع كتاب " عين حلاقيم النشأة والتاريخ للباحث جورج كوسى
جورج كوسى